الأربعاء08222018

Last updateالخميس, 11 أيار 2017 9am

           | 
Back أنت هنا: Home استهلال الرسائل استهلال الرسائل بارادايم تايمز قصة قصيرة كنت ضاحكا وكفى

كنت ضاحكا وكفى

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
tled

  عدنان المبارك   :كنت ضاحكا وكفى

الضحك، إذا، اختراع بالغ الجودة من طرف الطبيعة أو الله  الذي كما قيل ( وعلى الأقل وفق التلمود، يملك حسّ الفكاهة)، ولكون العالم لا يكنّ لنا celebrity porn video مشاعر الود بل بالأحرى مشاعر العداء ينبغي كسر شوكتها بالفكاهة.  الفيلسوف البولندي ليشيك كواكوفسكي ( 1927 – 2009 )

الضحك هو محور حياتي الوحيد. ولا أبالغ إذا قلت بأني كنت أبحث عنه منذ عمر الرابعة. في السادسة رأيت أمي بأنفين: واحد رشيق صاعد إلى أعلى قليلا، والثاني على العكس: قصير وذو منخرين واسعين جدا، وكنت متأكدا بأنه كان مخصصا للتمخط والتخويف أيضا. في الصف الأول ابتدائي  كنت أتفادى النظر إلى معلم اللغة. بالطبع لم أكن بحاجة إلى هذه الحاسة كي أستوعب دروس اللغة. أغمضت عيني ورحت  استمع إلى صوته العميق والمغرّد حقا.  كم مرة نهرتني أمي التي كانت تخونها أعصابها ومهما كان السبب تافها، كي لا ألاعب القطط السائبة  التي ( كلها وساخة وبراغيث ). وهكذا كنت ألاعبها خفية  وأغرق في الضحك خاصة حين أتصورها تغمز لي وتتغنج مرددة إحدى أغاني الغرام الشائعة. في عمر الثانية عشرة  لن أنس أبدا تلك الفكرة اللحوح: أن اشاهد ربّنا و أنبياءه وجيش  nude celebrities المعممين العرمرم  وهم يقدمون فاصلا غنائيا راقصا على خشبة مسرح خرافي الكبر. عادل ، وهو شقيقي الذي كان يكبرني بخمس سنوات،  أطلق حكما مجحفا لكنه وللأسف  كان صحيحا : ( أخونا راح يبقى من السفهاء حتى يومه الأخير). تظاهرت بأني لم أسمع الحكم  لكن منذها رحت أفكر بنعوت

غير لائقة  أقدر على إلصاقها به. بالفعل ، بحثت وعثرت ثم أخذت أهمس بها في البيت، ولمرات  فقط في خارجه. بسبب خيالي السارح مع الضحك صارت عادة دائمة عندي أن أنكس رأسي  حين الحديث مع الآخرين. وقد دهشت  للنجاح المتكرر الذي لقيته مناورتي هذه. و لكي أزيد من مثل هذا الإيهام أخذت أحمل نظارات طبية غامقة اللون متظاهرا بأني أنظر إليهم       وأستمع اليهم. في الحقيقة  كان كل واحد وكل شيء يثير فيّ الضحك، أي ليس صحيحا بأن أشياء وبشرا و مواقف معينة فقط تثير الضحك.  أقول لمن يهمه أمري: لكم  هناك من محاولات مجهدة قمت بها كي لا أضحك حين لا أكون وحيدا. وبحكم شغلي لمنصب مهم يتطلب قدرا كبيرا من الجدّية وحتى إلى درجة، لكن معتدلة، من العبوس، صارت مشكلتي في غاية الالتهاب حقا. قرأت الكثير عن الضحك وراجعت أكثر من طبيب واستمعت إلى عشرات النصائح التي بالطبع لم تكن  موجهة إليّ شخصيا، فأنا لم أصارح أيّ أحد بمتاعبي هذه مع الضحك. إحدى النصائح تفيد بانتهاز كل فرصة للتنفيس بالضحك و إلاّ ستكون العواقب في الأحوال الجادة و الخطيرة ، مدعاة للرثاء.  أما أنا فوجدت هذا التنفيس في مشاهدة الأفلام الكوميدية والبرنامج  التلفزيونية التي تثير الضحك. كانت هناك نصيحة أخرى مفادها: إذا لم تستطع  السيطرة على النفس في موقف بالغ الجدّ عليك أن تبذل كل ما في وسعك كي ينقلب الجد إلى هزل، مثلا كأن تروي فكاهة سمعتها مؤخرا وتلقى التجاوب مع الحاضر أو الحاضرين، أو أن تتظاهر بسعال داهمك فجأة، و إذا خصني الأمر أجد من المثمر أن ألجأ إلى حيلتي القديمة أي تجنّب النظر إلى مع من أتحدث و إلاّ لتحوّل هذا إلى بطل فلم كارتوني مخصص للأطفال. وقد لا يصّدق أحد بأني أفلحت لغاية الآن في قلب عدة حالات للجد إلى هزل. بالطبع كان هناك  بعض الاستغراب من مثل هذا التصرف، خاصة أني، وكما قلت، وبحكم المنصب أملك بعض العبوس. وحين أختلي بنفسي ألعن كل شيء فيّ بدءا Celebrity Porn بهذه الجينات الوقحة وانتهاء بعقلي  الذي لا يخلو من اختلال ما. في الواقع  ليست  كبيرة خشيتي من فقدان الوظيفة، فمدير القسم الذي أعمل فيه يعجز عن الاستغناء عن خدماتي، كما أني على يقين من أن هناك أكثر من جهاز للسلطة يحتاج إلى   اختصاصي، وهو بالغ التعقيد، ولاحتجت إلى ساعات طويلة كي أشرح ذلك لمن يهمّه أمري. اختصاص نادر جدا،  أداته اللغة التي أجعلها تتعامل مع علوم بحتة كالرياضيات والفيزياء، ومعارف أخرى كمخاطبة الموتى والتنويم المغناطيسي واستعارة بضع تقنيات من الثيوصوفية وسحر القبائل الأفريقية والآسيوية والأمازونية وغيرها. ليس الجميع يعرف بأن السمة الرئيسية لعصرنا استناده إلى ثلاث دعائم : الدين والعلم والسحر القديم لكن بأزياء توائم العصر. أضيف هنا  بأن حسّي العملي متطور للغاية مما ساعدني كثيرا في إتقان كل ما له صلة بتخصصي الذي وجدته السلطات تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا. في الحقيقة كان تخصصي شبيها، لكن إلى حد ليس بالبعيد، بجلسات التنويم المغناطيسي أو تحضير الأرواح. فأنا أستلم طلبية من رئيسي أو جهاز سلطوي آخر، بأن أقنع 99% من الناس بأن معادلة واحد زائد واحد يساوي اثنين هي مغلوطة. والآن كيف أقوم بهذه المعجزة الصغيرة ؟  لا جواب عندي، فهكذا هي مهنتي التي كلها أسرار...       لمن يهمه أمري  أقول مرة أخرى بأن ( معجزاتي ) التي ليست دائما صغيرة، لاعلاقة لها البتة بالتعريف الشائع للمعجزة. أبدا، فكل ما حققته في ميداني هذا جاء نتيجة جهود ومثابرة لا تصدّق حقا. كان عليّ أن أوسّع نطاق الذاكرة باستمرار كي تتمكن من احتواء منجزات الإنسان في شتى الحقول  بدءا بالعلوم وانتهاء بأفلام الفنتازيا. قد يجدر بالذكر هنا أني لم أكف عن الضحك خلال مثل هذا التحصيل المعرفي الضخم. أوه، عجزت عن كبح خيالي، ولا حاجة إلى القول بأني كنت أتأرجح طوال الوقت على حافة الجنون إلى درجة أن أمنيتي الوحيدة  كانت أن يكون هذا الجنون من النوع الملّطف بالابتسامات والمقنّع بالهدوء. ومن المسرّ القول بأني أفلحت ولأكثر من مرة، في إلباس مثل هذا القناع لجنوني. رجال الطب والعلم  أكدوا لي ، بعد إجراء شتى الفحوصات بأن ضحكي حالة طبيعية وليست مرضية  كأن تكون هناك أورام في المخ  أو تلف في أنسجته يسبّب هستيريا قصوى أو عتها دائما.  طبيبي أطلعني على تجربة عالم أميركي هدف منها الجواب على سؤال:  لماذا  تثير أشياء  معينة ضحك الإنسان بينما أخرى لا تضحكه ؟  واضح أن السؤال لا يخص حالتي، فأنا أضحك من كل شيء. هذا العالم ابتكر ما أسماه بنظرية ( الانتهاك الوديع ) التي فهمتها عبر أمثلة معيّنة  حين سمعتها، كان ضحكي أقوى من معرفتي بهذه النظرية. يورد العالم  هذه النكتة كمثال: كان هناك صيادان وقع أحدهما على الأرض وكفّ عن التنفس والحركة. زميله ارتعب وتلفن إلى الإسعاف ( أظن أن صديقي مات ). جاءه الجواب: ( قبل كل شيء  تأكد من أنه ميت فعلا ).  بقيت سماعة الهاتف صامتة  للحظات، وبعدها سمع رجل الإسعاف دوي إطلاق ناري، وفي الأخير  جاءه صوت ذلك الصيّاد ( أوكي، هو ميت بالتأكيد، والآن  ما العمل ؟ ). النكتة أعجبت ملايين  من مستخدمي الإنترنت رغم خرقها السافر لمبادئ الأخلاق. هكذا الحال معي، فأنا بمقدوري أن أضحك من أكبر التراجيديات. ذلك الصياد أضحكني ولأني لا أصدق بأن العته البشري يحقق مثل هذا اللامعقول. لكني في وضع آخر بحكم عملي الجاد للغاية. طيّب، عدا مناوراتي كي لا أفضح ميلي إلى  الضحك ليست ذنوبي ولا عيوبي كثيرة وحتى أني أنام عادة، من دون أن يزعجني أيّ تأنيب للضمير. صحيح أن عملي يخدم أغراضا ليست بالمريحة أو الطيبة، لكني لست المسؤول  عنها تماما  مثل تلك الفراشة التي خفق جناحاها في الصين  وسبّبت إعصارا في الولايات المتحدة.       أرغب الهمس  في أذن من يهمه أمري: ما قلته قبل قليل عن عملي كان فلتة لسان، ورغبتي الحارة أن يطويها النسيان، وفي حالة العكس ستأتيني متاعب لا يعرف قدرها، لكنها في كل الأحوال من الحجم الكبير.  المهتم بأمري يجهل الكثير من قضاياي. ولا أظن أن معرفته قد تفيده إذا استثنينا رغبته في نشر القيل والقال. لإزالة بعض هذا الجهل أستطيع القول أني وجدت الضحك، وخاصة إذا مارسته وحيدا،  دواء نموذجيا حقا: ثمينا جدا، رخيصا جدا، متوفرا وسهل الاستعمال. أنا جرّبت قليلا الضحك  المشترك مع الآخرين لكن خاب ظني، فحينها  شعرت بأن  المكان المشترك  يحصرني كما كسّارة الجوز. هناك هرمونات الأندورفين المسماة بهورمونات السعادة.  وليس الضحك وحده، بل التفكير بالحالات المثيرة للضحك يعمل على إفراز هذه الهورمونات المفيدة للجسم والنفس معا. بالفعل، أنا لا أشكو كثيرا من الحالتين الصحية والنفسية بفضل  ضحكي المنفرد اليومي. أخبرني طبيب التقيته بالمصادفة أن الضحك يحمي القلب والمزاج الطيّب ويقمع الألم  بفضل تحسينه لعمل الأوعية الدموية، كما أنه يبدد الانفعالات السلبية. أوصاني أيضا :( اضحك  يا سيدي ثم  اضحك ثم اضحك ! ، لا تكن جادا بلا توقف، فهذا الجدّ يضعف عضلة القلب...) . نصحني أيضا بمحاكاة الأطفال الذين هم ( خبراء في الضحك بلا قيود ، وفي اللهو ). حدث هذا اللقاء قبل سنوات. ومنذها رحت أطبّق نصائحه بحذافيرها  لكن كانت ولا تزال مشكلتي الأكبر هي أن عليّ أن أكون جادا أثناء العمل الذي غالبا ما يستمر أكثر من ثمان ساعات، ولا حاجة هنا لإيضاح الأمر، فالسلطة تعمل ليل نهار، وطلباتها في تزايد دائم. إلا أني أخذت بتاكتيك المناورات: آخذ استراحات قصيرة وأختلي فيها بنفسي كي أمارس رياضة الضحك المفيدة.       كنت قد افتخرت بأن صحتي عال العال لكن منذ  سبعة أشهر تعرضت إلى تدهور سريع عجز الطب عن وقفه. و الغريب أن الضحك لم يفدني بشيء أيضا رغم أني أمارسه وأنا مستلق في الفراش. لم يخبروني بعد بنتائج الفحوصات الأخيرة وكانت طويلة ومتعبة. لا أقول بأني فقدت إيماني بالضحك وعلى حساب  الإيمان بالطب ، بل كل ما في الأمر أني كففت عن  النظر إلى الضحك  كفعل مفيد للجسم، وكان ذاك الطبيب قد أخبرني حينها بأن الضحك مفيد للنفس أيضا. وهذا معناه  قيام مواجهة  بين جسم مسجون في علّته، ونفس تطمح في فضاء أوسع. رغم وهن الجسم  كنت أمارس الضحك لمصلحة النفس. وأظنه موقفا صحيحا تماما، وسأظل أضحك وأيّ كانت الخاتمة.          أنا الآن  في ( مستشفى  الرحمة ). فقد اكتشفوا سرطانا  شرسا في القولون. ( بالطبع سنفعل كل ما في وسعنا لإنقاذك ). كلمات أسمعها في كل يوم تقريبا. الرحمة في هذه المستشفى أني مستلق لوحدي في غرفة فيها ثلاثة أسرّة.  أكيد أنها وحدة وقتية، فالمرض لم يختف من هذه البقعة من الأرض ولا غيرها أيضا.  لكن دعوني أتمتع بهذه الوحدة وأمارس الضحك  خاصة أن لديّ الآن سببا آخر لممارسته: قيل إن الله يملك حسّا متطورا للفكاهة، ورغبتي الدخول معه في منافسة حامية أنا موقن من أن الغلبة فيها ستكون لي، فحسّي بالفكاهة لا تثقله كل هذه النكبات التي أنزلها هو بنا. و بدافع النكاية سأطلب أن يكون فمي مفتوحا واسعا بعد مجيء الموت الذي ليس من شك بأنه مسرع الآن صوبي.

أضف تعليق


 
stamp
Our website is protected by DMC Firewall!