الأحد09232018

Last updateالخميس, 11 أيار 2017 9am

           | 
Back أنت هنا: Home نقش القلم نقش القلم بارادايم تايمز الفكرية شمعة عمر بن عبد العزيز وإست النائب

شمعة عمر بن عبد العزيز وإست النائب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
dhidir

 

أعرف أن هذا العنوان عنوان فاشل، أو في الأقل، مما أعدّه، أنا شخصياً، عناوين فاشلة، فهو يستبق إلى القول، وبكلمات معدودة، ما تريد أن تقوله مقالة كاملة.واضح أنني أقارن بين القصة الشهيرة، المنسوبة للخليفة الأموي، عمر بن عبد العزيز، حين كان يحادث بعضَهم، ليلاً، في الشؤون العامة، وعندما أصبح الحديثُ شخصياً، أطفأ الخليفةُ الشمعةَ التي كانت تضيء المكان، لأنه لم يُرد أن يستعمل المالَ العام في شأن شخصي، وأشعل فتيلاً شخصياً، بالكاد يضيء، أقارن هذه القصة بما ترشّح، في الأيام القليلة الماضية، من المساجلات بين بعض أعضاء مجلس النوّاب، من قصص فساد، في إحداها (وربما هي الأكثر رمزية، وسخرية، ومأساوية، في آن معاً)، أن أحد النوّاب (من إحدى الكتل الإسلامية، أعلى الله مقامَها) عالج مشكلة (بواسير) لديه، من المال العام، وقد كلّفه ذلك (أو كلّفنا، لستُ أدري) 57 مليون دينار، أي ما يعادل نحوَ 55 ألف دولار أمريكي.

أقول: العنوان فاشل، لأنه يفضح كل ما تريد أن تقوله المقالة. ولذلك، أنا، في العادة، لا أستطيع أن أكمل المقالات التي تبتدئ بمثل هذه العناوين، لأنني أحسّ الأمرَ مضيعة للوقت، في حين أفترض أن العنوان هو إغراء غرائزي، يقود إلى ما هو أبعد وأعمق، كقطعة الملابس الشفيفة، التي لا يمكن الاكتفاء بها عمّا يتلوها.

ومع ذلك، سأحاول أن أذهب أبعدَ من هذا العنوان. سأجرّب أن أكتب ما لا يكشفه، وسأكتفي منه بأنه أنجز هذه المقارنة، بشكل سريع، وانتهى الأمر.

يثيرني، دائماً، كيف تشكّلت مثلُ هذه القصص، سواء المنسوبة إلى النبي محمد، أو celebrity nudes الخليفة عمر بن الخطاب، أو الإمام علي، أو سواهم من زعماء المسلمين، وكيف، ولماذا، ومتى قُدِّمت هذه القصص بأنها تشكل روحَ الحكم الإسلامي.

القصة المنسوبة للخليفة عمر بن عبد العزيز تشي بتمييز واعٍ بين المال العام والشأن الشخصي، غير أن هذه القصص، وسواها مما يشبهها، ليست سوى جزر محدودة، صغيرة، . . ومضات عابرة، لا تشكل نظام (أقول: نظام) الحكم الإسلامي. ولعل وصف عمر بن عبد العزيز بـ (الخليفة العادل)، أو (الخليفة الراشدي الخامس)، دليل على استثنائيته، لا على أنه جزء من نظام.

وفي الحقيقة، لم يستطع الحكمُ الإسلامي أن ينفصل عن السياق الثقافي المحيط به، وتحدّر ـ من ثم ـ من حزمة من الأفكار والمبادئ: التراتب العصبي، والتفوق الإثني والطبقي، وثقافة الغزو والنهب، وعدم احترام الملكية الخاصة، بل عدم تجذر فكرة (الملكية العامة).

ولعلي كنتُ شاهداً على الحكم الفقهي، الذي رُوِّج شعبياً في الوسط الشيعي، بالتعامل مع (الملكية العامة)، أو أصناف منها، بأنها (مجهول المالك)، ما أباح الاعتداء عليها. قد يُفسَّر هذا، سياسياً، بأنه كان جزءاً من رفض شيعي عام لدولة غير عادلة، كما أن البعض يحاجج بأن تشكّل بواكير دولة، في التجربة السياسية الإسلامية، كان سيُفضي إلى بناء رؤية عن (الملكية العامة). ولكن، ينبغي لنا أن نتذكر، دائماً، أن هذه هي تجربة سياسية ما قبل حديثة، لم تنته، أبداً، إلى دولة مؤسسات، بل انتهت إلى (تفويض سلطاني)، بالمال، والعباد، والمصائر.

ولذلك، ومجددا، تشكل قصة، كقصة عمر، استثناء، وليست النظام، . . تقوى شخصية أخلاقية، وليست إلزاماً قانونياً، . . لمسة شخصية عابرة، وليست المؤسسة الراسخة.

ولا يمكن للدولة أن تحكمها اللمسةُ الشخصية، بقدر ما ينبغي أن يكون ثمة نظام مؤسسي. ولا ينبغي لاحترام عمر للمال العام أن يكون تفضلا، أو زهداً شخصيا، بالنحو الذي تُقدَّم به القصة، بقدر ما ينبغي أن يكون ثمة نظام رقابي، صارم، يحاسب، ويعاقب، وهو ما قدّمته الدولةُ الحديثة.

إذن، كيف رُوِّجت هذه القصص؟

أنا أنتمي إلى مدرسة نقدية، لا تتعامل مع السرد التأريخي من جهة واقعيته أو لا، بل إنها ترى أن السرد أهم من الواقع نفسه، وأن الأكثر أهمية هي الوظائف التي يؤديها السرد التأريخي، السياسية، والثقافية، والسوسيولوجية، والأنثروبولوجية.

ولذلك، يكون السؤال المهم، بالنسبة لي، هنا، هو: أية وظيفة أدّاها سردُ التجربة السياسية الإسلامية، ما قبل الحديثة، بهذا الشكل؟ هل هو تعبير عن (عقدة خصاء) مما لم يستطع أن يكونه الإسلام؟ هل هو بحث عن مستندات، وإن كانت واهية، من التراث السياسي الإسلامي، بإزاء ما قدّمته التجربةُ السياسية Hardcore Porn الغربية؟ هل هو بحث عن شظايا عابرة، من التجربة الثقافية الخاصة، بإزاء هجمة الحداثة وقيمها؟ هل هذه المرويات قديمة، أم أنها صيغت حديثا بما يجعلها تؤدي وظائفَ مغايرة؟ من أسهم في إشاعة هذه الروايات؟ المدارس، الإعلام، الجوامع، . .؟

الأكيد، أن الطريقة التي عولج بها إستُ النائب هي أكثر صلة بالتجربة السياسية الإسلامية من شمعة عمر بن عبد العزيز، وأن إست النائب له سياق إيديولوجي وثقافي، متين ورصين، أكثر مما يبدو أنه مجرد قصة فساد ريعي عابر، ذات طابع كوميدي.

 

 

أضف تعليق


 
stamp
DMC Firewall is a Joomla Security extension!